الاثنين، 21 فبراير 2011

مبارك الذى يقولون انه لم يكن يعلم



نفس المبرر الهزلي المتبجح الذي طالما تغنى به الناصريون لتبرير جرائم حقبة زعيمهم أصبح الآن هو نفس المبرر الذي يتغنى به المتحسرون على "الطريقة غير اللائقة" التي اختتم بها (مبارك) حياته كرئيس لمصر .. دائما ما يردد الناصريون أن جمال عبد الناصر لم يكن يعلم شيئا عما ارتكبه ضباط الثورة وأتباعهم ضد الشعب المصري، وبعد ثورة 25 يناير جاء اليوم الذي يؤكد فيه الكثيرون أن مبارك كان ضحية لابنه جمال وأتباعه من رجال الأعمال الفاسدين .. لم أنجح أبدا في استيعاب كيف يصدق هؤلاء أنفسهم، وكيف يؤمنون بقدرة هذا الكلام الغبي على الإقناع، ودون أي انتباه أو شك في أنه يدين مبارك ويثبت ببديهية تامة أنه كان حقا طاغية يجب محاكمته وليس مجرد رئيس تنحى عن الحكم .. كأن من يتبنى هذا المبرر يخبرك ببساطة أن مبارك كان لا يريد أن يعكر أحد مزاجه، وأنه اختار جزيرة وردية بعيدة ليستمتع بالعيش فيها، وبما يضمن له أن يظل محميا تماما من سماع صرخات المصريين التي قد تفسد هناء حياته .. كأنه يريد أن يخبرك أن مبارك ترك ابنه وحاشيته يقتلون الناس ويسرقونهم .. لماذا تركهم؟ .. لو كان باختياره فهل هذا هو نموذج الحاكم الأمين الذي يجب أن يبكي عليه أحد؟ .. ولو كان مجبرا فكيف يمكن لشخص لا يمكنه السيطرة على أسرته أن يتولى مقادير أكثر من 80 مليون مصري؟.

.. ماذا عن ثروته؟ .. هل ترك جمال ورجال الأعمال الفاسدين يجمعون له كل هذه المليارات ويكدسون أملاكه ويوسعون استثماراته أم أنه كان يفعل ذلك بنفسه؟ .. هل قضى ثلاثين سنة لا يشاهد فيها ولو على شاشة التلفزيون أي شيء له علاقة بما وصل إليه حال المصريين من فقر ومهانة أم أنه كان لا يشاهد إلا قنوات الأغاني؟ .. أليست الحقيقة الواضحة التي لم تكن في حاجة لثورة كي تثبتها أنه كان يعرف كل شيء، وأنه كان مجرما على استعداد لإبادة شعب بأكمله حتى يبقى في السلطة؟ .. ألم يكن نموذجا مثاليا للديكتاتور الإله الذي تتوحد شهوته الدموية على نحو راسخ باليقين أنه كامل ومحصن، وأن بمقدوره أن يفعل ما يشاء مهما كان مستبعدا تماما فكرة أن يتعرض عرشه لتهديد من أي نوع مهما حدث؟.
لا يمكن لأحد الادعاء بأن من يفكر ويتحدث بهذه الطريقة هو من أتباع النظام السابق أو من كانوا مستفيدين منه فحسب، وأيضا ليسوا فقط ممن لم يعانوا من الفقر والبطالة والبطش الأمني مثلما عانى غيرهم، لكن يمكنك أن تصادف من ينحاز لهذا الاكلشيه المبتذل من المعدمين والعاطلين عن العمل وضحايا التعذيب .. ما الذي يفسر ذلك؟ .. ثمة عاطفة ما ينبغي الإمساك بها وتشريحها جيدا لتحديد المسمى الصحيح لها .. لا يقتصر الأمر عند حد تعاطف الضحية مع الجلاد كما قيل وكتب كثيرا بقدر خوف الضحية من الوقوع في أسر جلاد آخر مجهول .. غير مجرب وغير مدرك .. الضحية التي تربت واعتادت الانتهاك للدرجة التي أصبح تعريفا لحياتها ومعنى لوجودها .. الخوف من التحرر حيث للسجن حدود مرئية وملموسة صارت بمرور السنوات جزءا من السجين نفسه؛ أما الحرية فغامضة ومربكة، وقد يدفعك عدم فهم نواياها إلى الرغبة في استعادة الماضي!!.
في نفس السياق بات من الواضح أن الشباب الذي قاد ثورة 25 يناير بعد ما أسقط النظام وخرج منتصرا من حربه ضد رموزه وأعوانه والمحسوبين عليه والمناصرين له فإنه يواجه في ظني حربا أخرى ربما تكون أخطر ضد الغيرة الشعبية .. الذين يستكثرون على مجموعة من الشباب صغير السن إسقاط واحد من أعتى طغاة التاريخ .. ليسوا من كبار ومتوسطي العمر الذين عجزوا حين كانوا شبابا أن يحققوا هذه المعجزة هم فقط الذين يحملون تلك المشاعر لشباب الثورة .. هناك بالطبع الشباب الآخرين أيضا الذين كانوا يحلمون ويتمنون لو كانوا مكانهم ويراقبون بغيظ المجد الذي أحرزوه والشرف الذي خلد أسمائهم وبالضرورة المستقبل المزدهر الذي ينتظرهم  .. كل هؤلاء لا يتركون فرصة أو مناسبة إلا واستغلوها للتقليل من شأن شباب الثورة والتشكيك في نواياهم وإثارة الريبة حول من يقف وراء إنجازهم العظيم .. كل هؤلاء يقولون بطريقة أو بأخرى أن مبارك لم يكن يعرف !!!.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق